آخر تحديث للموقع : 23 - سبتمبر - 2020 , الأربعاء 03:23 مسائا ( بتوقيت جرينتش )
أخـــر الأخبــــار

إختيارات القراء

دافنشي ممهداً لعصر الباروك

28 - يوليو - 2020 , الثلاثاء 08:37 مسائا
الرئيسيةجمال حسن ⇐ دافنشي ممهداً لعصر الباروك

جمال حسن
تندرج اعمال ليوناردو دافنشي ضمن عصر الانبعاث لكنها نقطة التحول الكبير في الفن الأوروبي. ظهرت اولى لوحاته في منتصف الفترة الواقعة بين سقوط قسطنطينية وسقوط غرناطة، وفي بدايته اتبع التقاليد الفلورنسية الراسخة للقرن الخامس عشر. ذلك يظهر في لوحتي البشارة وتعميد المسيح، ويمكن ملاحظة تأثره بطابع معلمه فرا انجليكو. ثم سرعان ما ودعت رسوماته القرون الوسطى مفتتحة عصر النهضة وما بعده.
وعند العودة الى التصوير الايطالي بداية من جونو وحتى تيتان، او بالمدارس الأخرى سنلاحظ كيف شكلت اعمال دافنشي لحظة فاصلة. ربما نجد تطوراً تدريجيا، او غير لافتاً، اذا استثنينا بعض اعمال مازاتشيو وتحديداً في لوحة طرد ادم من الجنة ودافعو الجزية، والأخيرة ربما استلهم منها دافنشي تنفيذه للألوان في "العشاء الأخير" لكن معظم اعمال مازاتشيو الأخرى سلكت طابعاً اكثر تقليدية.

من الناحية التكنيكية بلغ التصوير في عصر النهضة كماله عند مايكل انجلو. ومعه بلغ التمثال ذروته الجمالية، لكن اسلوبه التصويري على عظمته ظل فنا تزيينيا للجدران، كما في رسومه على مصلى سيستينا وقبة كنيسة القديس بطرس في روما. واذا عدنا للوحة مايكل انجلو "العائلة المقدسة او عذراء دوني" نلحظ الأثر البيزنطي بحضور طاغي للون الأصفر وكأن الظلال تفصيلا هامشيا.
ثمة شهوانية وحسية في اعمال مايكل انجلو، اما لدى دافنشي كانت غور في باطن الأشكال، وهو ما القى عليها بعض الغموض.

على صعيد اخر، تعارض دافنشي مع افكار عصره، ولم تكن روحانيته لتتفق مع توجهات الكنيسة الكاثوليكية، وما لم ينجزه في فن التصوير، حققه لاحقاً الهولندي رامبرانت. وعند الأخير بلغت بذور الفوجة الدافنشية عصر اكتمالها في التصوير الاوروبي كما بلغته في الموسيقى عند باخ. فالظلال اصبح تكوينا عميقا في الرسم.
لعل نزوع دافنشي العلمي وراء ابتكاراته التقنية في فن الرسم، وهي الابتكارات التي احدثت ثورة في فن التصوير. لكن نزوعه الفني كان وراء ابتكاره الثيمة الموسيقية في التصوير. ولا يعني ان مايكل انجلو ورافائيل لم يعتمدوا على الوحدة الثيمية لكنهما اتبعا ما ابتكره دافنشي. ولا يعني ان تكون مريم المجدلية عند رافائيل اكثر جمالاً منها عند دافنشي لنمنحه افضلية.

تُبرز لوحة دافنشي الأشهر "الموناليزا" توجهه الموسيقي في اللون. وبعيداً عن العُمق التشريحي في النظرة الغامضة لوجه الموناليزا، فاستبعاده الزرقة من الخلفية التي تعبر عن السماء واستبدالها بتدرجات لونية باهتة مندمجة مع الطبيعة حال دون حدوث اي تشتت بصري لتصبح الوحدة الموضوعية احدى ابتكاراته.
وهذا البعد لا نجده لدى معاصره بوتشيللي، فتصويره للربيع زخرفيا والقى عليه انطباعاً مباشراً في زخرفة الثوب الذي ترتديه فلورا ربة الربيع.
في لوحة العشاء الأخير، يفرض دافنشي تلك الوحدة الثيمية، الترابط حول شخص المسيح الجالس في المنتصف وحوله حواريه. اعطاء وجها قاتما ليهوذا، مع انه انعكاس لتصوره الأبيض. الترابط في حركة الايادي والايماءات، حركة الألوان المتناغمة واعطاء دلالات غامضة مثل الشكل الانثوي للرسول يوحنا الجالس على يساره، تاركا مساحة للتأويل في ما إن كانت مريم المجدلية. الخلفية المتناغمة باستخدام الظلال وتدرجات البني.

وبالمقارنة مع لوحة سابقة تحمل نفس الموضوع للفلورنسي جيرلاندايو لا نجد الاتساع التعبيري كما لدى دافنشي، وتختفي الوحدة الموضوعية، وتثير الخلفية المشرقة للجدران تشتت بصري، مقارنة بالوحدة البصرية لدى دافنشي، اذ ان التشظي البصري مرحلة أخرى.
وبصورة عامة جسد دافنشي روح الاستقلال لما ستسلكه الحضارة الاوروبية على خلاف السمة الاحيائية في عصر الانبعاث لكل ما هو يوناني. في هذا السياق يجسد مايكل انجلو باعتباره ارتقائياً لتقاليد بلغ بها الكمال. اما رافيل فكان اعتداله مذعنا بصورة ما، فعندما رسم البابا يوليوس الثاني او ليو العاشر، كانت نظرتا عينيهما بعيدة عنه، ربما لم يكن يجرؤ بوضع عينيه في عين البابا. على خلاف الاسباني العظيم دييغو فيلاثكيث "فيلاسكيز"، الذي صور بعد قرن البابا انوسنت العاشر ليظهر في لوحته بنظرة مباشرة غير مواربة. لكن نظرة البابا تترك انطباعا متناغماً، لعلها تصويرا عميقا لسطوة الكنيسة.

عاد فيلاثكيث من ايطاليا متأثرا بروح التصوير البندقي، وتحديدا اعمال تيتان وجورجوني. لكنه حافظ على تفرد الفن الاسباني وكان التعبير عن العصر الذهبي للامبراطورية الاسبانية، اذ كان اول اسباني يجتاح فنه اوروبا. كما ان اعماله الهمت الأساليب الانطباعية في القرن التاسع عشر وتحديدا عند سيزان وبدرجة اكبر مانيه.
يعود فن عصر النهضة الاسباني الى الجريكو ذو الجذور اليونانية، لكن الوانه البراقة واسلوبه البيزنطي لا يبدو انه لقي اهتمام فيلاثكيث.
فصاحب "وصيفات الشرف" في تصوره لأهمية الظل، يتقاطع مع رامبرانت، وإن بتصور مختلف. كان الضوء في اعمال رامبرانت اشبه بالتجعيد اللامرئي وسط التدرجات المعتمة. والاثنان وضعا فن الباروك في قمة ألقه، وإن سبقهما تيتيان في البندقية باستحضاره المضامين الاسطورية فناً باروكياً عظيما. اما دافنشي فكان التمهيد العظيم والتحول الباطني لفن التصوير الاوروبي، اذ انه الولادة المبكرة لعصر الباروك.

اصبت بحالة تدين شديدة بداية مراهقتي، جعلتني اعيش خليط من جلد الذات والذعر حد الهوس من العقاب والجحيم. كنت اصلي الفجر في وقته، واحياناً اصاب بذعر رهيب متوهماً ان الموت ينتظرني في مكان ما، وابكي خشية من حفر النار مع اني مازلت صغيراً. في تلك الأيام، »

التعليقات

لاتوجد تعليقات

هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟

الإسم:

البريد الإلكتروني :

العنوان :

نص التعليق :
*

جميع الحقوق محفوظة لموقع الملعب 2013 - 2019 © تصميم و إستضافة MakeSolution.com