آخر تحديث للموقع : 17 - نوفمبر - 2018 , السبت 06:22 صباحا ( بتوقيت جرينتش )
أخـــر الأخبــــار

إختيارات القراء

منال، أروى، وديع، وبقية العصافير

25 - أبريل - 2018 , الأربعاء 12:55 مسائا
848 مشاهدة | لا يوجد تعليقات
الرئيسيةحبيب سروري ⇐ منال، أروى، وديع، وبقية العصافير

حبيب سروري
في مقال سابق لي في "ضفّة ثالثة": "سفينة نوح العِلم في الغلاباغوس" نقلتُ القارئ إلى أرخبيل قلّما تناولت تاريخه وأهميته صحفنا العربية، سلّط الضوء على مسائل الحفاظ على البيئة، ذات الأهمية البالغة القصوى اليوم.

أودّ هنا إكمال ذلك التقديم العام للأرخبيل، والإجابة على بعض الأسئلة التي طرحها، بالحديث عن تجربة علمية إنسانية أدبية عاطفية، عشتُها قلبا وقالبا، في مركز شارل داروين الدولي في الغلاباغوس، المدعوم من جامعات ومراكز دولية كثيرة (استلم جائزة السلطان قابوس للحفاظ على البيئة في 1999)، وبه باحثون زائرون من كل أنحاء العالم.
ناهيك عن أنه تحفةٌ ومختبرٌ ومتنزهٌ فريدٌ شاسع.
فيكتوار (انتصار، بالعربيّة) باحثة قدّمت أطروحة الدكتوراه حول "تفاعل نباتات الأرخبيل مع طيوره"، وتقضي عاما إضافيا في أبحاث جديدة في الأرخبيل. رتِّبتْ لي إجراء تلك التجربة الخالدة معها.

وصلتُ في الخامسة فجرا، إلى المركز.
غرستُ معها أعمدة شبكات، مثل شبكات كرة الطائرة، في ساحةٍ منزويةٍ خاصةٍ، تحيطها أشجار الصبار، وبِركات سلاحف عملاقة، بعيدا عن عمارات المختبرات ومتحف المركز.
تقود البهيّةُ الشغوفةُ فيكتوار هذه التجربة (تُكرِّرها أسبوعيا. أجهزة قياساتها قربها في حقائب ثلاث)، فيما لم أكن إلا مجرد مشاهِدٍ ومساعدٍ، لا غير.
فجر غلاباغوسي فضيٌّ رقيق، لا نهائي الجمال. مناظر الصخور المحيطة بالمركز، ونباتاته وأشجاره النادرة حولنا في كل مكان، والطيور الساحرة الغريبة المحلِّقة فوقنا، في علياء هذا الخلاء المنزوي الساحر، تجعلنا نتساءل إن لم نكن نُجري تجارباً في أحد مختبرات الفردوس في عليّين، وما أدراك ما عليّون...

عصافير بانسون داروين تنتشر في الفضاء في هذه الساعات المبكِّرة بكميات غفيرة. ما أسهل اصطيادها، حيّةً وبدون إشكال! يكفي أحيانا التلويحُ بقبّعة، وقليلٌ من المهارة، لاصطياد أحدها وهو يطير...
أما في ركائز شبكاتنا التي ثبّتناها (كما كان يفعل داروين وفريقه) فقد استطعنا التقاط حوالي عشرين بانسونا، بين الفجر ومنتصف الظهيرة.
بمهارة وحركة فنيّة ورِقّة غريزية، تُفكِّك فيكتوار كل خيوط الشبكة التي يتخبّط البانسون المأخوذ بتلابيبه بين مخالب أخطبوطها. يعتوره خوفٌ وهلع.
تعاملُهُ بحبٍّ وحنان، حدّ رغبة بعض العصافير العودة مجددا، بعد انتهاء التجربة، للارتماء في أحضانها: كان يبدو كما لو أن بعضهم يسقط عمدا من جديد في مطب الشبكة!
تمسيد وتمليس فيكتوار للعصفور متعةٌ ونعمةٌ يحسّ بها، كما يبدو. ينتقل بين أناملها من الخوف بعد الأسر إلى السعادة سريعا.

تضع فيكتوار قليلا من الجيلاتين حولَ وعلى منقار كل عصفور، لامتصاصِ وتحليل ما تناول من غذاء، كلٍّ حسب منقاره (بعضهم يتغذّى من الشجر والأزهار. آخرون من الدود. وبعضهم من لب الثمار بعد كسر قشراتها بمناقيرهم العريضة القوية).
تأخذ عيّنةً من البراز الذي غادره حتما في لحظة خوف، عندما وقع في المطب.
وبجهازٍ خاص، تقيسُ طولَ وعرضَ منقاره، وبعضَ مواصفات جسده (الذي يراوح طوله بين 10 و 20 سنتمترا فقط).
تحدِّد نوعه البيولوجي ضمن الأنواع الثلاثة عشر من هذا الطائر، ومدى كونه هجينا أحيانا...
تنزع بِرقّة من ساق قدمه حلقةً معدنية نحيفة كخيط، تحتوي على رقاقة إلكترونية ميكروسكوبية، مسجّلٍ عليها كل تفاصيل هويّته، ومواصفاته، وتاريخه الغذائي والصحي... تمّ تحديثُها سابقا (من قِبلِها، أو من باحثٍ آخر) عندما سقط العصفور قبل هذه المرة، في مطبات تجارب المركز، أو في مختبرٍ آخر.
ثمّ تُموِّل فيكتوار الرقاقة ببيانات جديدة من وحي تجربة اليوم.

تضع على ساقهِ حلقةً جديدة، ورقاقة تحتوي على النتائج والأرقام التي أخذتْها، إن كانت هذه مرّتهُ الأولى في متاهات الشبكة.
تطلب مني أن أعمِّدَه باسمٍ، سيكون اسمَه الرسمي دولياً، إن كانت هذه رقاقته الأولى.
اخترتُ لهم بالعربية: منال، أروى، وديع، سعدان، فريدة، علوان... ارتبطتُ بالأولى والثانية والثالث بعلاقة حميمة. أشتاقُ لهم أحيانا.
ثمّ تنتظر فيكتوار أن يقع كل عصفورٍ في الشبكة مرّة أخرى في الأيام والأسابيع القادمة، لقياساتٍ جديدة تسمح بدراسة تطورات حياة هذه الكائنات الرقيقة، وتفاصيل علاقتها بمحيطها الطبيعي.
مرآة الأرخبيل وذاكرتها النابضة تنطوي في مناقير وجينات هذه العصافير.

ترتبط فيكتوار مع بعضهم بعلاقة حميمة، كما هو حالي معهم أيضا.
ثمّ تترك العصفور يطير بعيدا بعد توديعه (بصعوبة أحيانا).
يطير عاليا، إن لم يعد نحونا مجددا، بوعي أو بلا وعي، من فرط سعادتهِ بتمسيد فيكتوار العاشقِ له، وأنا أيضا الذي لا أتركه يطير دون ملاطفةٍ وتربيتٍ لا يقلّ عشقا، أغرِّدُ وأرفرفُ سعادةً في حضرته، وحضرة فيكتوار، في هذا الخلاء الملائكي.
فيضٌ من الجمال والإنسانية يطمّ الأرخبيل.

كيف يمكن لمرءٍ وصل هنا، ولامسَ هذه العصافير مثلي، ألا يعشق الحياة بضراوة، وألا يحب الجمال والحرية والإنسانية، ويكره الحروب والعدوان والكراهية...
ثمة 13 نوعا بيولوجيا من عصافير البانسون، موجودة جميعها هنا على الأرخبيل، لا غير. مِلكُه وحدُهُ لا شريك له. لا يوجدون جميعهم إلا فيه فقط.
تحليل جيناتهم جميعا برهن أنهم سلالة لمجموعة بانسونات غادرت، قبل دهر طويل، قارة أميركا الجنوبية (الإكوادور أساسا)، وطارت غربا باتجاه شرق الأرخبيل.
قطعوا، في سالف الأوان، رويدا رويدا، كلّ المسافة بين القارة والأرخبيل، على مراحل، بعد المكوث على طريقهم في الصخور والجُزَيرات المتناثرة هنا وهناك.

تعلوهم سماءٌ نقية غالبا، ويحيطهم بحرٌ فيروزيٌّ لا سناء كسنائه.
أقبلوا مثل بُدورٍ من ثنيات الوداع. كل تقدّمٍ جديد في هذا المحيط متعةٌ وثراءٌ، اكتشافٌ لذيذ، وموائدُ دسمة ثريّة.
زقزقاتهم وأهازيجهم تتناغم مع تلألؤ انعكاسات شمس المحيط الهادئ على تجاعيد أمواج البحر.
جاؤوا هكذا من هناك، مثل كريستوفر كولمبس ورفاقه الأوروبيين وهم يصلون إلى أميركا. حطّوا في الأرخبيل برقّةٍ وسلام، ليسا من طبيعة الأوروبيين عندما غزوا عالَمَهم الأميركي الجديد وعمّدوه بجرائمهم التاريخية.
سكنَتْنِي رحلتُهم: كم تمنّيتُ مرافقتهم خلالها، بانسونا مثلهم، أغزو معهم هذه الصخور أو تلك، أنطّ هنا أو أحطّ هناك، أتقدّم مثلهم... مثلما تقدّمَ الإنسان عندما خرج من مهد البشرية: أفريقيا، رويدا رويدا، حتى وصل ذات يوم إلى أستراليا، ثمّ تأقلم وتناسل داروينيّا مندمجا مع بيئات بلدانه حيثما حلّ، وظروفها الخاصّة.

ثمّ انتشروا في الأرخبيل، تكيّفَتْ سلالتُهم رويدا رويدا مع هذه الجَزيرة أو تلك، ليختار قانونُ الانتقاء الطبيعي منهم من ينسجم بناؤه الجسدي، لا سيّما منقاره، أفضل من غيره، مع سبل وأشكال التغذية في هذا العالَم الجديد، وليعطيهِ لذلك فرصةً أفضل في الحياة والإنجاب، وفي تحوّلِ سلالتِه مع مرّ الزمن من "تحت نوعٍ" بيولوجي إلى نوعٍ منفصل...
13 منقارا مختلفة بينها البين. بعضها نحيفٌ طويلٌ حاد. أخرى عريضة قصيرة، وأخرى عريضة جدا، معطوفة على نحوٍ غريب.
13 مصدرا للدهشة الحميدة الخلّاقة.
تصادقتُ مع بعضهم، من أنواع بانسون الصبّار. لم أحب "البانسون النباتي" الذي قذف على أصابعي حالما رآني، لسببٍ أجهله. نوعٌ نادرٌ هنا، كما يبدو. موقعهُ الاعتيادي المناطق الجافة الرطبة، قرب نقاط التقاء الجُزُر.
عذرتُه على قذفِه، وأنا أسمعهُ يغنّي، ثم اندغمْتُ به هو الآخر...

الأرهب: برهن المركز هذا نفسه أن تغيّرات بيولوجية طرأت على طيور البانسون، وعلى أشكال مناقيرهم، منذ السبعينات من القرن المنصرم، جراء جفاف حلّ بالأرخبيل، وتغيرات بيئية لحقت ذلك.
كما احتفل المركز مؤخرا، والعالَم معه أيضا، باكتشاف ولادة نوعٍ بيولوجي جديد من البانسون، الرابع عشر، بسبب بعض هذه التغيّرات في بعض الجزر.
أعيش هذه التجربة بكل أحاسيسي. ألتقط مثل فيكتوار هذه العصافير التي نصطادها، أفتح مخالب أقدامها الرقيقة وأطويها على أصبعي.

أحدِّق في العصفور طويلا بحب، وهو واقفٌ على غصن أصبعي، أتمحّصُ في نظراته وهي تراقبني. يمرُّ تيّارٌ ما، نتحدثُ لغةً ما...
لم أنس، قبل أن أترك مركز الأبحاث، التوجُّهَ للانحناء أمام ضريح "جورج الوحيد"، آخر نفرٍ من نوعٍ من السلاحف العملاقة، انقرض من البسيطة يوم 24 يونيو 2012، بعد أن ناهز المائة عام.
لم يتمكّن المركز من العثور على أنثى من نوعه لتزويجه بها، لمواصلة بقاء هذا النوع على كرتنا الأرضية الحزينة.
أحيا دوما انقراض نوعٍ بيولوجي من الأرض لحظةً تراجيديةً، تعصر قلبي عصرا.
وجدتُ ثمّة، عند المتخصصين بالسلاحف العملاقة، كل الردود حول التساؤلات التي خامرتني حالما حطّتْ رحالنا في الأرخبيل: كيف جاءت هذه السلاحف العملاقة إلى هذه الديار؟

أبحاثٌ جديدة درست حمض ال DNA للسلاحف العملاقة، الحيّة والميّتة، في كل الأرخبيل، ورسمت كل التاريخ التطوري لها، منذ "آدم السلاحف" إذا جاز القول، إلى الآن.
تطوّرتْ، مثلما تطوّرنا نحن البشر، الهومو سابيانسيون (الأناس الحديثون)، من أصول أقدم: هومو إركتوس (الإنسان المنتصِب)، هومو هابيليس (الإنسان الماهر)...
عرفتُ هناك: تستطيع بعض السلاحف الضخمة السباحة خلال أسابيع، وقطع مئات الكيلومترات، ورقابها الطويلة تتنفّس أعلى الماء، وفي أحضانها وأعطافها ما يكفي لِغذاء الرحلة.
لِسلاحف الغلاباغوس أهلٌ في قارة أميريا الجنوبية، لهم تراثٌ جِينيٌّ وجَدٌّ مشترك، قبل ملايين السنين. بيد أن هذه السلاحف العملاقة الفريدةَ بنات بيئتها الغلاباغوسية، تأقلمتْ معها، وتضخّمتْ في رحابِها، على إيقاع قانون الانتخاب الطبيعي.

المدهش: نتائج دراسات التطورات الجيولوجية والبيئية في الأرخبيل تتعانق مع نتائج الدراسات البيولوجية التطورية لهذه السلاحف، خلال ملايين السنين، في انسجام بديع (قبل 3 ملايين عام، كان التوزيع الجغرافي للجزر التسع عشرة في الأرخبيل مختلفا عن اليوم).
أعيش هذه اللحظات الخالدة بقلبٍ يرفرف سعادةً ودهشات!
ما أجمل الحياة!
المجدُ لِلعلْم، المجدُ لِلحياة!

افتح الفيس، وأشوف كل الأصدقاء اليمنيين تقريبا يقولون، بصوت واحد: "نريد العلمانية". فيما كثير منهم كان يعتبرها من الكبائر، حتى أمد قريب. شيء جميل ذلك. هذه سنة الحياة، ولا نختلف عن الشعوب الأخرى التي اختارت العلمانية،. وليس مقررا علينا أن نصطلي »

التعليقات

لاتوجد تعليقات

هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟

الإسم:

البريد الإلكتروني :

العنوان :

نص التعليق :
*

جميع الحقوق محفوظة لموقع الملعب 2013 - 2014 © تصميم و إستضافة MakeSolution.com